محمد الغزالي
207
فقه السيرة ( الغزالي )
عليه - قد يردف ذلك بوخزات توقظ الإحسان المخدّر ؛ ليلتفت ويعقل ، لا لينكمش ويجبن . قال تبارك وتعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 21 ) [ الزمر ] . ويقول بعد ذلك : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 22 ) [ الزمر ] . وقد سلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المنهج نفسه في غرس الإيمان ورعاية ثماره . وكانت سيرته في الإقبال على اللّه درسا حيّا ، يفعم الأفئدة بإجلال اللّه وإعظامه ، والمسارعة إلى طاعته ، والنفور من عصيانه . وكانت القلوب تتفتّح على هدى اللّه ورسوله ، فما تسع بعده شيئا . عن جبير بن مطعم : سمعت النبيّ عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب بالطور ، فلما بلغ الآية : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ( 37 ) [ الطور ] . كاد قلبي أن يطير . . ! ! « 1 » . ومدّ الإيمان من فكرة في الرأس إلى عاطفة في القلب تجعل الرجل ينبض باليقين والإخلاص هو من صميم السنّة ، وهو مهاد الخلال الفاضلة التي سادت المسلمين وأعلت شأنهم ، وهو معنى الحديث المشهور : « ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ طعم الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما ، ومن أحبّ عبدا لا يحبّه إلا للّه ، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه كما يكره أن يلقى في النّار » « 2 » . ومن ذلك أيضا أن يتغلغل الإيمان بالرسالة والمغالاة بصاحبها إلى حدّ
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 9 / 489 ، من حديث جبير بن مطعم . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 1 / 51 - 52 ؛ ومسلم 1 / 48 ، وغيرهما من حديث أنس .